ابن قتيبة الدينوري
108
تأويل مشكل القرآن
تبدوا كواكبه والشمس طالعة * لا النّور نور ولا الإظلام إظلام ونحوه قول طرفة في وصف امرأة « 1 » : إن تنوّله فقد تمنعه * وتريه النّجم يجري بالظّهر يقول : تشقّ عليه حتى يظلم نهاره فيرى الكواكب ظهرا . والعامة تقول : أراني فلانّ الكواكب بالنّهار ، إذا برّح به . وقال الأعشى « 2 » : رجعت لما رمت مستحسرا * ترى للكواكب ظهرا وبيصا أي : رجعت كئيبا حسيرا ، قد أظلم عليك نهارك ، فأنت ترى الكواكب تعالي النّهار بريقا . وقد اختلف الناس في قول اللّه عزّ وجل : فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ [ الدخان : 29 ] . فذهب به قوم مذاهب العرب في قولهم : بكته الريح والبرق . كأنه يريد أنّ اللّه عزّ وجل حين أهلك فرعون وقومه وغرّقهم وأورث منازلهم وجنّاتهم غيرهم - لم يبك عليهم باك ، ولم يجزع جازع ، ولم يوجد لهم فقد . وقال آخرون : أراد : فما بكى عليهم أهل السماء ولا أهل الأرض . فأقام السماء والأرض مقام أهلهما ، كما قال تعالى : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [ يوسف : 82 ] ، أراد أهل القرية . وقال : حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها [ محمد : 4 ] ، أي يضع أهل الحرب السّلاح . وقال ابن عباس : لكل مؤمن باب في السماء يصعد فيه عمله ، وينزل منه رزقه ، فإذا مات بكى عليه الباب ، وبكت عليه آثاره في الأرض ومصلّاه . والكافر لا يصعد له عمل ، ولا يبكي له باب في السماء ولا أثره في الأرض . ومن هذا الباب قول اللّه عزّ وجل : وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ [ القلم : 51 ] يريد أنهم ينظرون إليك بالعداوة نظرا شديدا يكاد يزلقك من شدّته ، أي يسقطك .
--> ( 1 ) البيت من الرمل ، وهو في ديوان طرفة بن العبد ص 52 ، وتهذيب اللغة 10 / 403 ، 15 / 371 ، ومجمل اللغة 8 / 332 ، وأساس البلاغة ( نول ) ، وتاج العروس ( نول ) ، وفيه : « في الظهر » بدل : « بالظهر » . والبيت بلا نسبة في لسان العرب ( نول ) . ( 2 ) البيت من المتقارب ، وهو في ديوان الأعشى ص 255 .